البنوك المركزية والعملات الرقمية ..تأييد للفكرة أما محاولة للقضاء عليها؟

البنوك المركزية تعتزم إصدار عملات رقمية

تخرج علينا البنوك المركزية بين الفينة والأخرى لتعلن عن عملها من أجل إخراج عملة أو عملات رقمية، سواء كانت سيادية أو مشتركة، فهل هذا تأييد للفكرة أما محاولة للقضاء عليها؟.

وكان آخر ما تم ذكره في هذا الصدد إعلان ستة بنوك مركزية أنها تعتزم مناقشة إصدار عملات رقمية مع صندوق النقد الدولي. وهذا على جانب العملات المشتركة. بينما ذكر أحد أعضاء الفيدرالي الأمريكي أنهم يدرسون إمكانية إصدار عملة رقمية سيادية.

ولكن هل إعلان البنوك المركزية عن نيتها إصدار عملات مركزية هو تأييد للفكرة أو محاولة للقضاء عليها؟. هذا ما سنحاول تفسيره والإجابة عليه بالسطور القلائل التالية.

قبل عامين

كانت أغلب البنوك المركزية حول العالم قبل عامين تُحذر من التعامل بالعملات الرقمية أو التداول عليها، وكانت تحاربها حيث وجِدَت، إلا أنه يبدو أنها خسرت تلك الحرب، ولذا دخلت في مناقشات ودراسات لإصدار هذه العملات التي لم تستطع أن تُوقف سيلها.

ولكن ومرة أخرى هل لأنها اقتنعت بالفكرة أم أنها محاولة للقضاء عليها؟

أصل المشكلة

بداية كانت الفكرة الأساسية للعملات الرقمية، وكما ذكرنا في تقارير سابقة، هي اللامركزية على مستوى الدول كل على حدة، وأنها عابرة للحدود وبلا رقابة أو سيطرة من أحد على مستوى العالم (ليس كل أنواع العملات الرقمية، وإنما المشفرة منها فقط). وهو ما أثار الرعب لدى الحكومات والبنوك المركزية اللذان يعتمدان وبشكل أساس على التحكم والمركزية والاستقلالية.

وبالتالي فإن العملات الرقمية المشفرة تضرب الأساس الذي تقوم عليه كل من الحكومات “التحكم” والبنوك المركزية “التمركز”.

التداخل وتعقد الأمور

بالإضافة إلى أن العملات المشفرة بالأخص تضرب أساس الحكومات والبنوك المركزية، فإن تلك العملات حدث بها تداخل وصل إلى حد تعقدت معه الأمور. حيث أحدثت العملات المشفرة ثورة أعلى بكثير من أن يكون بإمكان الحكومات السيطرة عليها، وما خفي ربما يكون أعظم.

فإذا كانت البيتكوين (BTC) التي ظهرت في 2008 استطاعت الحكومات التي تصل لبعض المتعاملان به. حيث هناك رمز يتم الإعلان عنه بطريقة ما للجمهور، وبالتالي في حالة الوصول لهذا العنوان (عنوان محفظة البيتكوين) يمكن تتبعه والوصول إلى صاحبه. فإن عملة المونيرو (XMR) فقد تخطت هذا الأمر، حيث أصبحنا لسنا في حاجة إلى رموز أو عناوين، بالإضافة إلى أنها تمزج كل المعاملات التي تتم بهذه العملة، وبالتالي لا يوجد شكل معين لمعاملة بعينها، يمكن من خلال تتبع هذه المعاملة.

في 2014 كان يتم تمويل المظاهرات التي قامت في أوكرانيا بسبب مشاكل جزيرة القرم مع روسيا عن طريق عملة المونيرو، حيث كان يتم فقط رفع يافطة عليها كيو آر كود “QR Code” وعن طريق شاشة التليفزيون كان يتم تحويل الأموال إلى القائمين على هذه المظاهرات كنوع من الدعم لهم.

وعليه أصبح الأمر أكثر تعقيداً، حيث من المؤكد أن الأكثر استفادة من هذا التطور هم الخارجون على القانون، والمتعاملون في المعاملات المشبوهة والمجرَّمة من الدول، وهو ما يزيد العبء على كاهل الحكومات.

ماذا يعني قيام البنوك المركزية بدراسة إصدار عملات رقمية؟

عود على بدء

وعليه ماذا يعني قيام البنوك المركزية بدراسة إصدار عملات رقمية وهي التي ستقضي على الفكرة القائمة عليها تلك البنوك أو هذه الحكومات؟

أولاً – لابد من التنويه على أن الحكومات والبنوك المركزية تدرس إصدار عملات رقمية فقط وليست مشفرة، حيث العملة الرقمية يمكن أن تكون عملة مدعومة بأصول واحتياطي نقدي أو عيني. وبالتالي هي عملة مثل العملات المنتشرة حاليا في أرجاء الأرض (الجنيه، الدولار، الفرنك) ولكنها ليس مطبوعة وإنما هي فقط أرقام وفي نفس الوقت مركزية. سيتحكم في إصدارها البنوك المركزية ومن ثمّ الحكومات. وعليه سيبقى أمام تلك الحكومات العمل على حل مشكلة العملات المشفرة.

وبذلك نستطيع أن نستنتج أن قيام البنوك المركزية حول العالم بدراسة إصدار عملات رقمية هو محاولة للقضاء على فكرة اللامركزية القائمة عليها تلك العملات، ولكن وكما ذكرنا ستظل هناك مشكلة العملات المشفرة كشبح يطارد تلك الحكومات إلى أن تجد لها حلاً.

حل مقترح

في حال نجحت الحكومات مع بنوكها المركزية في إطلاق عملات سيادية، هذا سوف يحد وبشكل كبير من لجوء العديد من الأفراد ولمؤسسات من استخدام العملات الرقمية المنتشرة حول العالم في الظروف الطبيعية.

أما العملات المشفرة فيبدو أن الحل الأمثل للسيطرة عليها وحتى الآن هو اتفاق الحكومات مع الشركات أو المؤسسات القائمة على تعدين أو تداول تلك العملات على أسس وقوانين، يلتزم بها الطرفان دون تدخل من الدول في حركة هذه العملات هنا سيكون الأمر كله على عاتق هذه الجهات، وما إذا كانت ستلتزم بهذه المواثيق أم لا.

أخيراً

مما لا جدل فيه أنه لا حدود للعلم ولن تستطيع الحكومات أن تُجاري التقدم العلمي الذي يُحدثه الأفراد حول العالم. إلا إذا كانت على نفس القدر الذي يتمتع به هؤلاء وهذا ضرب من المستحيل. لأن الأفراد المشكلين للحكومات هنا في مواجهة باقي أفراد الكرة الأرضية.

وعليه فإن الحل لهذه المعضلة هو إبداع الحكومات في إعطاء الحريات لهؤلاء لدرجة يستطيعوا أن يأمنوا فيها على ما لديهم من ابتكارات. وبالتالي يكون هناك إمكانية للتواصل المفتوح. وهو ما يلزم له الاتفاق على أسس وقوانين بهذا الشأن موحدة على مستوى العالم.

مشاركة هذه الصفحة
محمد أبو مليح 85 Articles
كاتب اقتصادي ومحرر مالي أول، مع خبرة تبلغ 20 عاماً في مجال الكتابة الاقتصادية المتخصصة، سواءً في الأسواق المالية العربية، أو أسواق العملات الرقمية، وصاحب فكرة كل من باب كريبتو في كبسولة وباب قصة عملة على موقع كريبتوليديان.