بعد عقد على ظهورها … هل ستكون العملات الرقمية تحوّلاً لشكل العملة أم تمهيداً لشيء قادم؟

خاص – كريبتوليديان: بدأنا منذ أيام العقد الأول من القرن الحادي والعشرين والذي على ما يبدو، وكما يتوقع العديد من المحللين سواء السياسيين أو الاقتصاديين أو علماء الاجتماع، سيشهد تحولاً جذرياً في حياة البشرية، ومن أحد أوجه هذه الحياة وأهمها التبادل التجاري الذي يتم بدوره عن طريق العملات، التي بدروها تُعد ضرورة من ضروريات الحياة على كوكب الأرض، أياً كان شكلها أو طريقة تناقلها.

فهل سيكون القرن الحادي والعشرون بداية النهاية للعملات الورقية والمعدنية لتحل محلها العملات الرقمية والمشفرة، أم أنه سيكون تمهيداً لشيء آخر يظهر بالمستقبل، مختلف عن كل ذلك؟

التطور الطبيعي لأشكال العملات وبداية نشأتها تشير إلى أن الخيار الأول هو الأغلب، حيث وفي بداية العقد الأخير من القرن العشرين كان العديد من الناس يعتبرون أن العملات المشفرة رجساً من عمل الشيطان، وهو وسيلة فقط لسرقة أموال الناس، وغسل الأموال والتجارة المحرمة ليس إلا.

بينما في نهايته نجد الدول والشركات العملاقة تتسارع لكي يكن لها عملات مشفرة خاصة بها، بل وبدأ العديد من الدول الناشئة في عقد اتفاقيات للتبادل التجاري بهذه العملات، وهو ما يدل على أن العديد من الدول المتقدمة قامت بذلك بالفعل ومنذ زمن بعيد.

في هذا التقرير سوف نعطي ومضات فقط من تاريخ العملات المشفرة والتي تتمثل وبشكل كبير في عملة البيتكوين، حيث هي العملة الأولى والتي تلقت كل الصدمات، ولكن وعبر سلسلة تقارير دورية تحت اسم “الكريبتو في كابسولة” سوف نعمل على تحليل وتوضيح كل ومضة من تلك الومضات بشكل مستقل.

لمحة تاريخية

مرت عملية التبادل التجاري منذ خلق الله الخلق بالعديد من أشكال التعامل، وكل شكل من هذه الأشكال استمر لآلاف السنين، فكان التبادل في البداية ووفقاً للروايات التاريخية وقبل 17 ألف عام عن طريق عقود التجارة الحجرية.

ثم وقبل 9 آلاف عام ظهرت عملية المقايضة عن طريق السلع حيث كان مقابل السلعة سلعة مكافئة لها في القيمة حسب وقتها، وقبل 3 آلاف عام تقريباً ظهرت العملات المعدينة.

ثم ومنذ حوالي 1100 عام وتحديداً في عام 907 ميلادية تم طبع عملات ورقية، لتظل حتى يومنا بجانب العملات المعدنية، ولكل منها قيمتها المتعارف عليها بين بني البشر، وفي كل منها آلاف إن لم يكن ملايين الأشكال حول العالم.

هذا التطور للعملات كان الدافع فيه في كل مراحله وبشكل أساسي زيادة عدد المتعاملين بالعملة وزيادة الأماكن التي يحتاج بنو البشر إلى نقل هذه العملات لها، ففي البداية كان الأمر مقصوراً على عدد قليل من البشر كلهم يعرف بعضهم البعض.

وبعد طوفان نوح عليه السلام وبالتأكيد بآلاف السنين اتسعت الرقعة الأرضية، لتتكون البلدان المتفرقة مما جعل من الصعب أن يتعرف أحد على كل الموجودين على الأرض ولا حتى على من يتبادل معهم من نفس البلدة، ثم ومع التطور الطبيعي، اضطرت الدول لاستخدام الورق لصعوبة نقل وتخزين العملات الفضية أو الذهبية.

التمهيد للعملات المشفرة

لم تخرج العملات المشفرة إلى عالم النور فجأة، ولكنها كانت تطوراً لمحاولات سابقة، فكما حاول عباس بن فرناس الطيران وفشل وبعدها تم اختراع الطائرة كان الحال نفسه مع العملات المشفرة، ففي عام 1977 ظهرت خوارزمية RAS وقام بكتابتها كل من ليونارد أدليمان، وآدي شامير، ورونالد ريفست في معهد ماساتشوستس للتقنية.

ثم وفي 1993 اخترع عالم الرياضيات ديفيد تشوم Ecash وهو ما يمكن اعتبارها أول عملة مشفرة أو اعتمدت على علم التشفير، ثم مرت العملة بعدد من المراحل سوف نرصدها في إنفوجراف خاص بالموقع للتسهيل والاختصار، إلى أن جاء عام 2008 ومع الأزمة العالمية المالية ليتجدد الحديث عن أهمية العملات الرقمية.

ما الجديد؟

من وجهة نظري أن الجديد في العملات المشفرة التي بدأ العمل عليها بجِد في 2008 هو أن أول من أعادها هو نفسه مشفَّر حتى الآن فعلى الرغم من المحاولات المتتالية للكشف عن هويته لم يتوصل أحد له، فبعد رحلة بحث قامت مجلة نيوزويك بالتوصل إلى شخص اسمه دوريان ساتوشي ناكاموتو، مهندس ومبرمج متقاعد، مقيم في كاليفورنيا، ولكنه أكد أنه لا علاقة له نهائياً بالعملات المشفرة ولا عمليات التشفير، ولم يثبت بالفعل أن له علاقة بذلك.

خاصة وأن أندي غرينبرغ، كاتب حالياً في مجلة Wired، وكاتب سابقاً في Forbes.com ومجلة Forbes، قام بزيارة هالي فيني والذي كان من المعتقد أنه هو ناكاموتو أو هو الذي على علم به، ولكنه أنكر أولا أن الشخص الذي أعلنت عنه نيوزويك هو الذي تواصل معه، وأنكر كذلك أنه هو ساتوشي، وجاء الاعتقاد أن هالي هو ساتوشي لأنه كان أول من أجرى عملية مبادلة معه بعملة البتكوين، والمستخدم رقم 2 للعملة في العالم.

يقول غرينبرغ إنه من الملفت أنه في الوقت الذي قرر ساتوشي الاختفاء عن الساحة كان فيني قد أُصيب بشلل شبه كامل في جسده، ولكن عقله كان لا يزال يعمل، حيث كان يجيب عن الأسئلة بنعم أو لا فقط.

وفي الوقت نفسه قام ناثينال بوبر، مراسل في نيويورك تايمز، بإجراء مقارنة لغوية بين بعض المكاتبات التي أعلن عنها نيك زيبو والتي تشير إلى أنه ربما يكون هو ساتوشي.

ومع أن كل تلك المحاولات لم تفلح في الإفصاح عن شخص ساتوشي فإنها في الوقت ذاته قلل بعضها من أهمية بعض حيث أحدثت ربكة لدى المتابعين وهل هو هذا أو ذاك.

ويقول كيفن أندريسن، وهو أول من أعلن ساتوشي أنه مطور البرنامج الذي يتم تنفيذ عمليات البيتكوين عن طريقه، إن ساتوشي كان يراسله عن طريق كل وسائل التواصل وكلما حاول التعرف على ماهيته أو شخصه أو أين يقيم كان يتجاهل ذلك.

وقال له “أمر عظيم أن يكون هناك مبرمجون ذوو خبرة يشاركون في المشروع”، وذلك قبل أن يعلنه المبرمج الرئيسي للمشروع، ويضع بريده الإلكتروني على موقع البيتكوين قبل أن يختفي ساتوشي.

وبالتالي فإن الغموض أو حالة التشفير الناجحة للشخص الذي أبدع أول عملة مشفرة معلنة مستمرة لعقد من الزمان، هو نفسه سبب يدعو لنجاح هذه العملة، حيث يدل ذلك على قوة ذكاء هذا الشخص الذي لم يستطع أحد في العالم الوصول له، أو فك شفرته وهو شخص أو مجموعة له أو لها مكان محدد أياً كان هذا المكان وبالتالي من الصعب فك تشفير العملة التي يقوم بتعدينها ملايين الأشخاص بالملايين من أجهزة الحاسوب.

الأزمة المالية العالمية والعملات المشفرة

أدى ظهور العملات المشفرة بعد الأزمة المالية العالمية إلى الربط بينهما، خاصة أن العديد من كتابات ساتوشي الأولى ذكرت بعض أسباب الأزمة المالية كدافع تجاه التفكير في الانتقال للعمل بالعملات المشفرة.

حيث وبعد انهيار ليمان براذرز وإفلاس العديد من الشركات المالية والبنوك حول العالم وضياع المليارات على أصحابها بسبب تحكم هيئة أو حكومة أو شخص بعينه في حركة هذه الأمول، هو ما جعل العديد من المحللين يرون أن الأزمة كانت أحد الدوافع الداعمة والمساعدة على جريان بحر العملات المشفرة.

تحول أم تمهيد؟

فشل العديد من المصارف المركزية حول العالم في معالجة الأزمات المالية الناتجة عن مركزية التحكم في الأموال سيكون على الأرجح هو السبب ذاته في نجاح العملات التي تدعو إلى اللامركزية، وتعتمد عليها بشكل أساس.

وبالتالي فمن المتوقع أن يشهد العقد الحالي وما يليه من عقود تطورات في العملات المشفرة وتقلبات شبيهة بتلك التي تحدث في كل صناعة ببدايتها، ومن المرجح أن تكون العملات المشفرة هي تحول في تاريخ العملة مثل العملة المعدنية أو الورقية.

وأخيراً

سوف نقوم في كربتوليديان بإفراد عدد من المقالات لكل نقطة من النقاط السابقة، وغيرها، وهي قصة ساتوشي وماهية الأشخاص الذين ارتبطو به، ثم عن كيفية تعدين عملة البيتكوين، وهل الأفضل التعدين أم المتاجرة بها، ومميزات ومخاطر المتاجرة أو التعدين.

والفرق بينها وبين أسواق الأسهم والصكوك والسندات، وكذلك الفرق بين العملات الرقمية والعملات المشفرة، ولكن في حلقات تالية، تحت اسم “الكريبتو في كبسولة”.

مشاركة هذه الصفحة